يطرح الكاتب جواد سهراب مالك رؤية تحليلية لدور باكستان في تخفيف التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، موضحًا كيف تحولت إسلام آباد إلى وسيط محوري في واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية المعاصرة.


تستعرض صحيفة داون خلفيات التدخل الباكستاني في النزاع، حيث فشلت القوى الدولية التقليدية في وقف القتال، بينما نجحت باكستان في فتح مسار تفاوضي غير متوقع بين الطرفين.


فشل النظام الدولي وصعود الوساطة الباكستانية


أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران دون تفويض من مجلس الأمن، ما أثار جدلًا واسعًا حول شرعية هذه العمليات وانعكاساتها على النظام الدولي. أدى استمرار القتال إلى عجز المؤسسات الدولية وحلفاء واشنطن عن فرض وقف لإطلاق النار أو إطلاق مفاوضات سلام.


في هذا السياق، برزت باكستان كلاعب غير تقليدي، حيث نجحت في تحقيق تهدئة أولية ومهدت الطريق لحوار مباشر بين واشنطن وطهران. استند هذا الدور إلى تاريخ طويل من الوساطات، أبرزها تسهيل التواصل الأمريكي الصيني في سبعينيات القرن الماضي، إضافة إلى مشاركاتها في عمليات حفظ السلام الدولية.


تحركات استخباراتية ودبلوماسية خلف الكواليس


قادت المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الباكستانية جهودًا مكثفة لاحتواء الأزمة، حيث عملت على التنسيق مع نظرائها في الولايات المتحدة لخفض التصعيد. حافظت هذه الجهود على توازن دقيق بين أطراف متنازعة تفتقر إلى الثقة المتبادلة.


نقلت باكستان في البداية مقترحًا أمريكيًا للسلام يتضمن عدة نقاط، إلا أن إيران رفضته، ما دفع إسلام آباد إلى إشراك الصين في الوساطة. أفضت هذه التحركات إلى صياغة إطار تفاوضي جديد شكّل أساسًا للمحادثات، وأسهم في التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت استمر لاحقًا.


استمرت الوساطة الباكستانية رغم تعقيدات المشهد، حيث تباينت مواقف الأطراف الإقليمية، بينما لعبت بعض القوى أدوارًا متباينة بين الدعم والعرقلة، ما جعل الحفاظ على مسار الحوار مهمة شديدة الحساسية.


فرص السلام وتحديات المرحلة المقبلة


رغم تعثر الجولة الأولى من المفاوضات، لا يعني ذلك انهيار عملية السلام، إذ تتطلب النزاعات المعقدة جولات متعددة قبل الوصول إلى اتفاق نهائي. حافظ وقف إطلاق النار على استمراريته، ما يمنح الدبلوماسية مساحة للتحرك.


تظل قضايا مثل مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني نقاط خلاف رئيسية، إلى جانب أدوار بعض الأطراف الإقليمية التي تعارض مسار التسوية. في المقابل، تدفع الضغوط الاقتصادية والمصالح الدولية نحو استمرار الجهود السلمية.


تعكس التجربة الحالية درسًا تاريخيًا مهمًا، حيث لا تضمن الهيمنة العسكرية تحقيق السلام، كما أظهرت صراعات سابقة أن الحسم العسكري لا يترجم دائمًا إلى نتائج سياسية مستقرة.


تكشف هذه التطورات عن تحوّل في موازين الوساطة الدولية، حيث تبرز قوى إقليمية مثل باكستان كلاعب قادر على بناء جسور بين أطراف متنازعة. يعكس هذا الدور أهمية الدبلوماسية الهادئة في مواجهة الأزمات الكبرى، ويؤكد أن الطريق إلى السلام، رغم تعقيداته، يظل الخيار الأكثر واقعية في عالم تتشابك فيه المصالح والصراعات.

 

https://www.dawn.com/news/1997445